الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

313

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

المشهور فضلًا عن المبنى المختار من عدم كون قاعدة قبح العقاب بلا بيان قاعدة عقليّة بل العقل يحكم بالاحتياط مطلقاً ، وأمّا بناء العقلاء فكذلك ، حيث لا إشكال في أنّ بناءهم على الاحتياط في الأمور المهمّة ، وحينئذٍ لا ريب في أنّه باستكشاف وجوب الاحتياط شرعاً في مثل هذه الأمور المهمّة من شدّة اهتمام الشارع بها يقيّد إطلاقات أدلّة البراءة الشرعيّة لو سلّم إطلاقها وعدم انصرافها عن مثل هذه الأمور . وأخرى يكون المورد ممّا يحصل العلم فيه بأدنى فحص ونظر ، فيحصل مثلًا بالمراجعة إلى دفتره الخاصّ ليرى أنّه مديون لزيد مثلًا أو لا ، فلا إشكال في أنّ بناء العقلاء على وجوب الفحص والتأمّل في مثل هذه الأمور أيضاً ، ولا يجوز الأخذ ببراءة الذمّة عند الشكّ من دون مراجعة . وثالثة يكون المورد المشكوك من الموارد الّتي تقتضي ذاتاً الفحص والاختبار ، ويكون ممّا لا يعلم غالباً إلّابالفحص والمراجعة ، كأنّ الأمر به شرعاً مستلزم عرفاً لوجوب الفحص عنه وإلّا لم يمتثل إلّانادراً ، كما في الشكّ في بلوغ المال بحدّ الاستطاعة أو النصاب للزكاة ، وكذا في أرباح المكاسب وشبهها ، فلا ينبغي الإشكال أيضاً في وجوب الفحص ، وقد جرت سيرة العقلاء في أوامرهم ونواهيهم في أمثال ذلك على الفحص ، ولم يمنع عنه الشارع فلا إشكال أيضاً في وجوب الفحص . ورابعة يكون المورد من غير الأقسام الثلاثة ، فلا إشكال في أنّ إطلاقات أدلّة البراءة في الشبهات الموضوعيّة دالّة على عدم وجوب الفحص كالروايات الواردة في مسألة الجبن وغيرها ، حتّى أنّه يستفاد من بعضها النهي عن الفحص . تنبيه : ذكر الفاضل التوني رحمه الله لجريان أصالة البراءة شرطين آخرين : أحدهما : أن لا يلزم من العمل بالبراءة إثبات حكم آخر ، وإلّا لا تجري ، كما في أطراف العلم الإجمالي فإنّ جريان الأصل في بعضها يثبت وجوب الاجتناب عن الآخر .